السبت، 1 يناير، 2011

لوحة بريشة فنان وقلم أديب

 

 

هذه القصة كتبت إحدى عشرة مرة في عشرين عاما، ولكن لم تصبح عملا أدبيا باقيا إلا عندما رواها الأديب العظيم تشارلز ذكنز ( 1812 ـ 1870 )، وقد سمع حوادثها من جميع الذين شاركوا فيها. وبعد ذلك نشرها في مجلة اسمها على مدار السنة. ولكي أكون قريبا من شكلها ومضمونا الأدبي انقلها كما كتبها الأديب الإنجليزي الكبير.

أنا فنان أسكن في غرفتين. إحدى الغرفتين هي التي أعمل فيها. أو أتوهم أنني أفعل ذلك لأن الغرفتين متداخلتين فلا أعرف أين أعملا ولا أين أنام. وهذا يسبب لي مشكلة خاصة عند النوم أو عندما يزورني أحد من الناس.

في إحدى ليالي الشتاء زارني بعض الأصدقاء وراحوا يتفرجون على لوحاتي وكنت مضطربا أن أرتدي ملابسي كاملة. وجاءت الموديل التي أرسمها. وهي فتاة في العشرين وجميلة. كل شيء فيها جميل إلا حنجرتها فهي تصدر أصواتا غير مناسبة. وعندما جاءت في ذلك اليوم، طلبت إليها أن تجيء غدا. وقبل أن تخلع ملابسها أشارت إلى أنها في حاجة إلى المال. وأعطيتها وخرجت. وسألني ضيفي: كيف لا تقبل وجها جميلا مثل هذا؟

فقلت له: إن من يراها كل يوم ليس في حاجة في أن يفعل شيئا من ذلك؟

واعترف أنني لم أكن غير مهذب عندما قلت ذلك. ولكن من هو الفنان الذي لا يتلوث لسانه وجسمه وملابسه. لا أحد طبعا. وخرج الضيف. وفوجئت برجل وزوجته. قدم لي نفسه: أنا السيد كيرك وهذه زوجتي. وقبل أن أعرب لهما عن دهشتي قال السيد كيرك: سمعت عنك. وعرفت من فتاة التي قابلتها في الشارع عنوانك وأنا في حاجة إليك.

عرفت منهما أن عددا من أفراد أسرتهما في حاجة إلى أن أرسمه. وعرضت عليهما نماذج من اللوحات والأساليب المختلفة ليختارا أحب الأساليب لهما. وترك السيد كيرك بطاقته. وبعد أن اختفى بدقائق اكتشفت أن البطاقة ليس عليها سوى اسمه أما العنوان فقد نسى أن يكتبه. ولكن ليس من الصعب أن يدرك ذلك فيما بعد وأن يبعث لي بعنوانه.

سافرت إلى شمال بريطانيا لأستريح بعض الوقت. واخترت مدينة صغيرة هي نفس المدينة التي يعيش فيها السيد كيرك وزوجته. وركبت القطار. ووجدت مقعدا خاليا. واقتربت من النافذة. وجاءت سيدة بملابس سوداء. وحاولت أن أجلسها في  المكان الخالي ولكنها فضلت المكان المواجه لي. وقالت إنها في حاجة إلى أن يهب الهواء على وجهها. ثم سحبت البالطو إلى الوراء ووضعته على كتفيها وسحبت فستانها على ركبتيها. وليتها لم تفعل. ويبدو أن تجاوبا غريبا بيني وبين يديها قد حدث. فانسحبت يدها عن الفستان. وتراجعت إلى الوراء. فانسحب الفستان وارتفع نهداها. ويبدو أنها تشعر بذلك كله. ثم أسقطت البالطو. وواجهتني وعلى وجهها هدوء عميق. وفي عينيها مودة. وتحدثنا كأننا أصدقاء قدماء. وكانت تحدثني في موضوعات فنية كأنها تعرفني. ا, كأنني أعرفها.

بسرعة غريبة توقف القطار عند المدينة التي أريدها. ومدت يدها تسلم . وقالت لها: أرجو أن أراك. فقالت سوف تراني.

سألت عن أسرة كيرك. وعرفت البيت. وجاء السيد كيرك وزوجته. ورحبا بي. ثم جاءت الخادمة. وأشارت إلى غرفتي. ووضعت حقائبي وبدلت ملابسي. وذهبت إلى الصالون. وهناك وجدت سيدة القطار ذات الفستان الأسود. وكانت مفاجأة. ولكن يبدو أنها لت تفاجأ بوجودي. ثم قالت: ألم أقل لك سوف تراني.

قلت لها: لو كنت أعرف أننا ذاهبان إلى نفس البيت لرافقتك.

فقالت ضاحكة: إن طرقي صعب.

لم أفهم. ثم وجدتها تقف أمام المدفأة. وجاءت الخادمة. وأعلنت أن السيد كيرك سوف يصل حالا. وتقدمت سيدة القطار وقدمت لي كتابا. وفتحت الكتاب على صفحة بها لوحة مرسومة بالألوان. وسألتني:

هل هذه السيدة تشبهني؟

فقلت: فعلا تشبهك. ولكن من هي؟

قالت: إنها زوجة أحد اللوردات.

ثم جاءت حرم السيد كيرك. ودعتني إلى غرفة الطعام. وأشرت إليها أن تتقدم هي والسيدة. ويبدو أنها لم تفهم. ولكنها تقدمت إلى غرفة الطعام وجلسنا نحن الأربعة. هي وزوجها في ناحية وأنا وسيدة القطار في الناحية الأخرى. وانتهى العشاء. وخرجت السيدتان مع السيد كيرك. ثم تكاثر حولنا الأقارب رجالا ونساء و أطفالا.

ثم جاءتني سيدة القطار تسألني: هل تتذكر وجهي هذا؟      

قلت: لا أحد ينساه.

قالت: كنت أتوقع منك ذلك. ولكن هل تستطيع أن ترسمه من الذاكرة.

فقلت: لو أعطيتني فرصة الآن لأراك أوضح لفعلت. لو جلست أمامي بعض الوقت.

فاعتذرت. وقالت: فيما بعد.

في الصباح لم تظهر سيدة القطار.

مضت شهور ورأيت من المناسب أن أذهب إلى الشمال لعلي أجد شيئا من الراحة، فقد حيرتني سيدة القطار ولم أجد تفسيرا لها. وتوقف القطار عند إحدى المدن الصغيرة وأفهمنا السائق أن هناك عملا في القطار وفي الطريق. وأنه لابد من البقاء أربع ساعات على الأقل. وتذكرت أن لي صديقا قديما في هذه المدينة وأن اسمه السيد لوط. وقال ناظر المحطة أنه يعرف ذلك. وبعث ناظر المحطة في طلب السيد لوط. وبعد ساعة جاء رجل في الخمسين من عمره. وقال: أنت تسأل عن السيد لوط؟

فقلت: نعم.

فقال: إن السيد لوط لم يعد يقيم هنا. ولكنك بعثت في طلبي أنا.

فاعتذرت وقلت: ما اسم حضرتك .

قال: أ،ا السيد لوقا.

اندهشت كيف أنني كتبت اسم صديقي خطأ وأراني الورقة فوجدت أنني كتبت السيد لوقا، وليس السيد لوط. وتضاعفت دهشتي. ولكن الرجل قال: بل أنت الرجل الذي أريده. أنت بالضبط. وأرجوك أن تقبل المبيت عندنا. فأنا أقيم في بيتي وحدي مع ابنة صغيرة لي. وأريدك أن ترسم لوحة لابنتي. هذه اللوحة هي أعز ما سوف أملكه في هذه الدنيا. ذهبت مع السيد لوقا إلى بيته.

هناك قابلتنا ابنته. اسمها مريم في الخامسة عشرة من عمرها. وهي من ذلك النوع من الفتيات التي اعتمدت على نفسها في سن مبكرة. ففيها شجاعة وسوء ظن بالناس. ولذلك ترفع الكلفة بسرعة إيمانا منها بأنه لا داعي للخوف من أحد.

سبقتني مريم إلى غرفة نظيفة. وقال: هذه غرفتك. أما أبي فإنه لن يقوى على السهر معك هذه الليلة لأنه مريض.

فقلت: آسف لإزعاجه. ولكنه هو الذي دعاني لكي أرسمك.

فقالت: صورتي أنا؟ بل صورة أختي.

قلت: لا مانع. أنا على استعداد.

لكن أختي ماتت من ستة شهور. وأبي مريض. وكانت وفاتها أكبر صدمة له. ويتمنى لو يجد لها صورة. أو يصورها أحد. ولو كانت عنده صورة واحدة لأختي لتحسنت صحته فهو مريض كما ترى.

سألتها: وهل تشبهين أختك؟

أبدا.

قلت. إذن حاولي أن تصفي أختك لي. وأنا أحاول رسمها.

وراحت تصف أختها. وأنا أرسم. ولكني أعرف في نفس الوقت أن هذه المحاولة فاشلة. فقد جربت ذلك كثيرا. وكانت النتيجة مخيبة لكل أمل. وكلما رسمت لوحة عرضتها على مريم فتقول: لا تشبهها.

ثم عادت مريم تقول: آه أختي كارولين الله يرحمها، تشبه صورة لسيدة معروفة. هذه الصورة كانت في كتاب. ولكن بعد وفاتها اختفت هذه الصورة. لا أعرف من الذي أخذها أو سرقها.

وقلت: أذكر لي اسم ناشر الكتاب وأنا أحاول العثور عليه.

حاولت أن تتذكر. وقالت مريم: إن أختي تشبه السيدة مادلين زوجة أحد اللوردات.

بسرعة صعدت الدرج ودخلت غرفتي. وفتحت حقيبتي وأخرجت بعض اللوحات التي كنت قد رسمتها لسيدة القطار. ولم تكد مريم ترى هذه اللوحات حتى صرخت: هذه هي أختي. إن سعادة أبي لا حد لها. ولكن من أين نقلت هذه اللوحات؟ كيف عرفت ذلك.

ذهبت إلى والدها العاجز عن السير. وبعد لحظات جاء أبوها وكأن ساحرا قد حمله على جناحيه. وكانت السعادة على وجهه. ثم اتجهت إلى الكتاب وفتحته. فرأيت مكان اللوحة التي نزعت واختفت. ولا أعرف كيف سارت الأحداث بعد ذلك. ولكن في اليوم التالي ذهبنا معا إلى الكنيسة. وفي طريق العودة قال لي السيد لوقا: أنت أسعدتني وأنا كنت على يقين من ذلك. فأنا أعرف. كلهم اتهموني بالجنون لأنني أرى أشياء لا يراها الناس.

أنا رأيتك مع ابنتي هذه. رأيتك في القطار جالسا أمامها. رأيتها وهي تسحب البالطو إلى الوراء وأنت تنظر إليها. رأيتك تتحدث إليها أمام المدفأة. رأيتها وهي تعرض عليك لوحة زوجة اللورد. رأيتك وأنت ترسمها. ولما جئت إلى بلدتنا هذه ووجدت اسمي على الورقة عرفت أنك أنت. وأنك وحدك الذي سوف تحقق لي أعظم سعادة.

مضى السيد لوقا يقول وقد استرد صحته وحيويته: الآن فقط أستطيع أن أعيش مع ابنتي. سعيدا بها كما كنت سعيدا وهي ما تزال حية. وهي الآن سعيدة لسعادتي الآن فقط في استطاعتها أن تذهب بعيدا عني. إلى السماء. إلى حيث لا أعرف. فقد كان حزني عليها هو الشيء الوحيد الذي يربطها بالأرض. ثم سكت ليقول آخر مرة: تمنيت أن أفرح بلقاء ابنتي. وأنت حققت لي ذلك

في الصباح عندما دقت مريم علي بابي وأشارت أن أبعها بهدوء. أدركت أن والدها مريض. ودخلت غرفته. ووجدته في فراشه هادئا. وعلى وجهه ضحكة ينقصها الكلام. وسألت مريم إن أبوها قد مات. فهزت رأسها. إنه مات. ولم أر حزنا على وجه مريم. إنها تماما كما وصفها أبوها: واقعية جدًا. ولن تحزن لفراق أحد. ولن يحزن أحد لفراقها.

على الحائط وجدت لوحة الابنة كارولين مكتوب تحتها: كارولين لوقا 22 سنة 13 سبتمبر 1818.

 

ظواهر غريبة أرواح أشباح ما وراء الطبيعة ظواهر غريبة أرواح أشباح ما وراء الطبيعة ظواهر غريبة أرواح أشباح ما وراء الطبيعة ظواهر غريبة أرواح أشباح ما وراء الطبيعة ظواهر غريبة أرواح أشباح ما وراء الطبيعة ظواهر غريبة أرواح أشباح ما وراء الطبيعة ظواهر غريبة أرواح أشباح ما وراء الطبيعة ظواهر غريبة أرواح أشباح ما وراء الطبيعة ظواهر غريبة أرواح أشباح ما وراء الطبيعة ظواهر غريبة أرواح أشباح ما وراء الطبيعة ظواهر غريبة أرواح أشباح ما وراء الطبيعة ظواهر غريبة أرواح أشباح ما وراء الطبيعة ظواهر غريبة أرواح أشباح ما وراء الطبيعة ظواهر غريبة أرواح أشباح ما وراء الطبيعة


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق