السبت، 1 يناير، 2011

وانحنى على ملابس الملك يقبلها ثم اختفى

 

مضت ساعة وما زال الملك جورج الثاني ( 1683 ـ 1760 ) يتحدث إلى رجاله. و كان من عادته أن يتحرك في القاعة ذهابا وإيابا، دون أن يأمر رجاله بأن يظلوا في أماكنهم جالسين. ويقال أن نابليون قد أخذ عنه هذه العادة المريحة. ولم يحدث إلا نادرا أن دخل كبير الياوران ليعلن شيء غير عادي. فالملك لا يجب أن يقاطعه أحد لأي سبب.

لكن هذه المرة حدث شيء عاجل. فدخل كبير الياوران واستأذن الملك في أن يسلم رسالة هامة إلى واحد من رجاله. وأشار الملك بشيء من عدم الاهتمام أن يفعل ذلك بسرعة، وتقدم كبير الياوران إلى السيد هاريس و أعطاه رسالة. واستأذن السيد هاريس في أن يفتح الرسالة خارج القاعة، ولكن الملك أشار بأن يفتحها أمامه، ففتحها، وفهم الملك من تغير الألوان على وجه السيد هاريس أن الأمر خطير. فأشار إليه بأن يخرج. فمستأذنه بأن يغيب ثلاثة أسابيع أو أربعة، ووافق الملك، وخرج السيد هاريس عائدا إلى بيته.

كان من عادة السيد هاريس أن يترك بعض الخدم في قصره الريفي. أما الأسرة وبقية الخدم فهم ينتقلون معه إلى مدينة لندن. ولكن يبدو أنه من الضروري أن يعود فورا إلى قصره الريفي. فالأمر خطير.

فالرسالة التي تلقاها تقول: احضر بسرعة يا سيدي الأشياء الذهبية التي تركها الغالي العزيز والدكم قد سرقت والأشياء الفضية التي تركها الغالي العزيز علينا جميعا جدكم الكبير قد سرقت أيضا. ونحن نأسف لما حدث. ولكن حضوركم سوف يكون شمسا تشرق على الحقيقة ونعرف الجاني الأثيم.

سأله الملك جورج: سوف تعود إلى الريف.

أجاب: نعم مولاي إذا أذنتم.

ليست مغامرة.

عفوا يا مولاي.

ولا هي حيلة لكي تبعد عن الزوجة بضعة أسابيع؟

                                                                                                    أمرك يا مولاي.

إذن سأبعث واحد من رجالي ليعاونك.

هذا كرم يا مولاي.

كم أسبوعا تكفيك لكي تستعيد ما راح منك؟

بضعة أسابيع يا مولاي.

أظن أربعة أسابيع تكفي.

بل أكثر من الكفاية يا مولاي.

شكر الملك وخرج. وكانت هذه الرسالة بخط المشرف على قصره الريفي. وذهب السيد هاريس إلى القصر. وهناك التقى بالمشرف على القصر. وكانت حالته النفسية أليمة. وكان التأثر واضحا عليه. ولم يكد يرى سيده، حتى قال له: أن هذا عار قد لحقه بصفة شخصية. لأنه يغلق الأبواب والنوافذ كل ليلة، وبإحكام شديد. ولا يدري كيف حدث كل ذلك وفي وقت قصير.

كان في القصر الريفي طاه وثلاثة من الخدم. وخادمتان. وسأله السيد هاريس: كيف حدث ذلك. وقال المشرف على البيت أنه في إحدى الليالي عندما أوى إلى فراشه، وكان الجو باردا عاصفا، استمع إلى أصوات في الغرفة التي تحته. واندهش كيف تصدر هذه الأصوات. لأن أحدا لا يمكن قد صحا من نومه، فهو على يقين من أن الجميع قد ناموا. ولكن هذه الأصوات جعلته يشك في الأمر. فارتدى ملابسه، وهبط الدرج واقترب من الغرفة ، واستمع إلى أصوات هامسة. إنه لم يتبين الأصوات بوضوح. ولكن الشيء الواضح تماما هو صوت الآنية الفضية وهي تخرج من الصناديق، وتدخل في صناديق أخرى. وحاول أن يقترب من الباب أكثر لعله يسمه صوت الخدم الذين أفلحوا في التسلل في الليل إلى هذه الغرفة.

قال له السيد: لماذا لم توقظ الخادمتين، وتذهب أنت إلى رجال الشرطة؟

قال المشرف: خطرت لي هذه الفكرة لولا أنني خشيت أن يخرج اللصوص ويعتدوا على الفتاتين ويهربوا.

قال السيد: إذن لماذا لم توقظ الخادم والطاهي ليعاونوك في القبض على اللصوص؟

قال المشرف: بل كنت أظن أن الخادم والطاهي هم الذين تسللوا إلى دواليب الآنية الفضية والذهبية.

استأنف المشرف قصته فقال: إنه اقترب من الباب، وكان الهمس ما يزال مستمرا، وكان المشرف قد أمسك سيفه في يده. واندفع يفتح الباب بقوة.

سأله السيد: ومن وجدت؟

قال: الشاب النحيف واثنين آخرين.

سأله السيد: ومن هو هذا النحيف؟

فأجاب: إنه شاب استأجرنه في الأيام الأخيرة. وهو من أسرة فقيرة. ولكن أباه رجل طيب. وقد أحسن تربيته.

لم يكد يفتح الغرفة حتى هجموا عليه، وأوثقوه إلى المقاعد، وسدو فمه وهربوا.

اتجه السيد إلى بقية الخدم يسألهم ماذا حدث. فأجاب واحد: بأنه من الضروري أن يقدم استقالته وكذلك سوف يفعل زملاءه. لأنهم يعملون في خدمة السيد منذ عشر سنوات ولم توجه إليهم هذه التهمة الشنيعة. واعتذر لهم السيد عما حدث. وأن التهمة غير مقصودة. وأن مشرف البيت كان في حيرة. ولم يعرف بالضبط ما الذي يفعله، ثم إنه رجل كبير. وهو في مقام الوالد للجميع.

قال الخدم أنهم اعتادوا أن يصحوا في السادسة صباحا. وأن يعدوا طعاما لإفطار في السابعة إلا ربعا. وأن ينزل المشرف لتناول الإفطار في السابعة إلا خمس دقائق. ولكنه في ذلك اليوم لم يحضر في موعده، وأخذ الجميع يتندرون بذلك. ويقولون لابد أن الغطاء كان ثقيلا. أو أن الشراب كان غزيرا، أو أن المشرف مريض. أو أن شيئا غير عادي حدث له. وتشاوروا فيما بينهم. أيهم يذهب لإيقاظه. اقترح الخدم أن تذهب إحدى الخادمتين وتدق بابه وتسأله كم الساعة الآن. وذهبت الخادمة. ودقت الباب مرة، مرتين، ثلاثا، ولكن المشرف لم يرد. فعادت بسرعة تروي لهم ذلك. واقتربوا جميعا من الباب وفتحوه بشدة. ولم يجدوا المشرف. وان كانوا وجدوا مكانه خاليا على السرير، ومن المؤكد أنه كان هناك ولسبب ما، لم يعثروا عليه.

اتجهوا إلى غرفة الشاب النحيف هنري. ولم يجدوا الشاب في فراشه. واستنتجوا  أن الاثنين قد خرجا إلى النزهة في ساعة مبكرة. أو إنهما ذهبا إلى حظيرة الأبقار. وأسرعوا إلى الحظيرة فلم يجدوا أحدا. وفكروا في أن يذهبوا إلى غرفة الأدوات الفضية وهناك وجدوا المشرف مشدودا بالحبال إلى المقعد. ووجدوهم قد وضعوا القماش في فمه حتى لا يصرخ وفكوا الحبال. وانزلوا المشرف من المقعد. وراحوا يدلكون جسمه. ولكن الشاب هنري قد اختفى تماما.

أصر الخدم على أن يقدموا استقالتهم بعد هذه الإهانة البليغ، وحاول السيد أن يسترضيهم، وأفلح في تهدئتهم. وأضاف إلى مرتب كل منهم جنيهين. ووافقوا على مضض. واستدعى السيد رجال الشرطة وعاينوا كل شيء. وأحصوا المسروقات فكانت كثيرة. من بينها شمعدانات من الذهب الخالص أهديت إلى أسرة هاريس من الملوك والأمراء. ومن بينها هدايا من كبير الأساقفة وكذلك لوحات فنية قيمة.

مضت شهور ولكن الشرطة لم تهتد إلى شيء. ولم يكن من الصعب على السيد هاريس أن يعرف أنه لا أمل في شيء. وأن الذي راح قد راح إلى غير عودة. كما أن الشرطة لم تفلح في العثور على الشاب هنري. ولم يصدق أحد هذه الدهشة والحزن الحقيقي والعار الذي أحس به أبوه. فلم يتصور أن ابنه يستطيع أن يسرق. أو يشترك مع آخرين في السرقة.

مضت سنة. وفي إحدى جلسات الملك جورج الثاني في أفريل سنة 1730 قال الملك للسيد هاريس: عندي شعور غريب بأنك سوف تعثر على مفقوداتك.

عاد الملك يقول: لم تسألني كيف عرفت أنا ذلك.

روى الملك جورج الثاني أنه رأى في نومه أن طائرا كبيرا قد هبط على الأرض ومعه الشمعدان الذهبي. وعندما ألقى بالشمعدان فوق القصر الريفي للسيد هاريس انكسر الشمعدان. وحاول كل أفراد الأسرة والحاشية أن يعثروا على الشمعدان فلم يجدوه.

قال الملك: إنها مرات قليلة التي حلمت فيها بأشياء تحققت.

سافر السيد هاريس في إجازته السنوية إلى قصره الريفي. ومعه كل الخدم والأسرة. وطلب السيد هاريس إلى المشرف على القصر أن يعرض عليه كيف يحرس القصر وكيف يغلق أبوابه ونوافذه. وفوجئ السيد هاريس بأن المشرف يغلق كل شيء من الداخل والخارج. الأبواب والنوافذ حتى أبواب الغرفة الداخلية. ويفعل ذلك بنفسه. ولا يستطيع أحد أن يتحرك في أية غرفة غير غرفته، فإذا حاول فإنه لا يستطيع. فكل الغرف قد أقفلت ومفاتيحها في جيب المشرف. وهو الذي يفتح أبواب هذه القلعة كل يوم.

لما ذهب السيد هاريس إلى زوجته قال لها: ما هذا الذي يفعله المشرف على قصرنا؟

قالت الزوجة: وما الذي يفعله؟

قال الزوج: إنه يقفل الأبواب. ولم يبق إلا أن يقفل أفواهنا أيضا.

ضحكت الزوجة وهي تقول: ولكنه يا عزيزي يفعل ذلك منذ ثلاثين عاما.

قال الزوج: لم أكن أعرف ذلك.

قالت الزوجة: وما الذي تعرفه أنت في هذا البيت؟

عاد السيد هاريس إلى فراشه. وهو يفكر في هذا القصر الذي أغلقت أبوابه ونوافذه من ثلاثين عاما، ومع ذلك استطاع اللصوص أن يتسللوا إليه. في هذه اللحظة التي امتدت يده لكي تطفئ الشمعة. رأى شابا نحيفا قد دخل غرفته، وارتعد السيد هاريس. ولكن الشاب النحيف ظل واقفا في مكانه. فسأله هاريس وهو في حالة فزع شديد: ماذا تريد؟ كيف دخلت؟

أشار الشاب إلى فمه، بما يدل على إنه لا يستطيع الكلام. وأشار إلى السيد هاريس أن يتبعه فقط. ونزل السيد هاريس من سريره. وبسرعة سحب سيفا. وفتح الشاب باب الغرفة الذي كان مغلقا بالمفتاح. وخرج وسار وراءه السيد هاريس. ولاحظ رغم خوفه الشديد، أن هذا الشاب الذي يمشي أمامه في هدوء، ليس له صوت. كأنه لا يمشي على الأرض، أو كأنه شبح أو روح. لكن بعد لحظات شعر السيد هاريس بالهدوء الشديد. خرج الشاب من القصر. واتجه إلى حديقة القصر. وسار وراءه السيد هاريس. ثم لاتجه الشاب إلى شجرة البلوط ضخمة في الحديقة، وأشار إليها بيده. وتقدم السيد هاريس إلى شجرة البلوط. ونظر إلى الأرض، ولما حاول أن يستوضح الشاب، كان قد اختفى.

عاد السيد هاريس إلى القصر وأيقظ الخدم. وطلب إليهم ألا يحدثوا أية ضوضاء حتى لا تصحو زوجته وأولاده. واتجهوا إلى شجرة البلوط. وطلب إليهم أن يحفروا الأرض. وحفروا الأرض وعثروا على جاكتة. ثم على جثة. وصرخ الخدم: إنه الشاب النحيف هنري.

في ماي سنة 1732 اعترف المشرف على القصر بالحقيقة فقد اتفق مع اثنين من اللصوص على سرقة الأدوات الفضية والذهبية. وعلى بيعها. وعلى أن يبعثوا بنصيبه مع الشاب النحيف هنري، ويبدو أن اللصوص قد تشاجروا فيما بينهم. وخافوا أن يفضحهم هذا الشاب النحيف فقتلوه ودفنوه. وأصدرت محكمة لندن حكمها على المشرف على القصر بالإعدام شنقا. وأعدم. لإذن لقد ظهر هذا الشاب النحيف لينتقم.

بعد إعدام المشرف على القصر لم يعد أحد يرى هذا الشاب النحيف. و إن كان الملك جورج الثاني قد استدعى السيد هاريس بعد إعدام المشرف على القصر بأسبوع واحد. وكان استدعاء في ساعة مبكرة من الصباح. ولما وصل السيد هاريس إلى قصر الملك جورج الثاني وجد تعليمات بضرورة أن يدخل إليه في غرفة نومه. ودخل على الملك في غرفة النوم. ولم يكد الملك يراه حتى قال له: هل تعرف شابا في الثالثة والعشرين من عمره. طويلا ونحيفا. عينه اليمنى أصغر قليلا من عينه اليسرى. وإذا سار وضع إحدى يديه على معدته. كأنه يشكو مغصا. وإذا مشى انحنى قليلا للأمام.

قال السيد هاريس: رأيته يا مولاي. هو الذي قتلوه في بيتي عندما تشاجر اللصوص.

هنا اعتدل الملك في جلسته وقال: الآن أستطيع أن أنام.

بعد ذلك بأيام روى الملك جورج الثاني لرجاله ما حدث له في تلك الليلة. فقد صحا من نومه على صوت الباب الذي انفتح. وعندما أطل برأسه من تحت الغطاء رأى هذا الشاب. ولما سأله لم ينطق بكلمة واحدة، ولكنه اقترب. ولما رأى الملك هدوءه ورقته لم يشأ أن يصرخ في وجهه أو يستدعي الحراس في الليل. وكل ما حدث أن الشاب قد اقترب من غطاء الملك وانحنى عليه يقبله في امتنان.

إنه نفس الشاب هنري الذي جاء يشكر الملك على إعدام المشرف على القصر، واختفى ولم يعد يراه أو يسمع عن أحد رآه بعد ذلك.

 

ظواهر غريبة أرواح أشباح ما وراء الطبيعة ظواهر غريبة أرواح أشباح ما وراء الطبيعة ظواهر غريبة أرواح أشباح ما وراء الطبيعة ظواهر غريبة أرواح أشباح ما وراء الطبيعة ظواهر غريبة أرواح أشباح ما وراء الطبيعة ظواهر غريبة أرواح أشباح ما وراء الطبيعة ظواهر غريبة أرواح أشباح ما وراء الطبيعة ظواهر غريبة أرواح أشباح ما وراء الطبيعة ظواهر غريبة أرواح أشباح ما وراء الطبيعة ظواهر غريبة أرواح أشباح ما وراء الطبيعة ظواهر غريبة أرواح أشباح ما وراء الطبيعة ظواهر غريبة أرواح أشباح ما وراء الطبيعة ظواهر غريبة أرواح أشباح ما وراء الطبيعة ظواهر غريبة أرواح أشباح ما وراء الطبيعة


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق